الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

136

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدّفاع عن دينه . فهي صفة تحصل للعبد من كثرة تصوّر عظمة اللّه تعالى ونعمه حتّى تتمكّن من قلبه ، فمنشؤها السمع والتّصوّر . وليست هي كمحبّة استحسان الذّات ، ألا ترى أنّا نحبّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم من كثرة ما نسمع من فضائله وحرصه على خيرنا في الدّنيا والآخرة ، وتقوى هذه المحبّة بمقدار كثرة ممارسة أقواله وذكر شمائله وتصرّفاته وهديه ، وكذلك نحبّ الخلفاء الأربعة لكثرة ما نسمع من حبّهم الرسول ومن بذلهم غاية النصح في خير المسلمين ، وكذلك نحبّ حاتما لما نسمع من كرمه . وقد قالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : ما كان أهل خباء أحبّ إليّ من أن يذلّوا من أهل خبائك وقد أصبحت وما أهل خباء أحبّ إلي من أن يعزّوا من أهل خبائك . والأذلّة والأعزّة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلّق بهما ، فالأذلّة جمع الذليل وهو الموصوف بالذلّ . والذلّ - بضمّ الذال وبكسرها - الهوان والطاعة ، فهو ضدّ العزّ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] . وفي بعض التّفاسير : الذلّ - بضم الذال - ضد العزّ - وبكسر الذال - ضدّ الصعوبة ، ولا يعرف لهذه التفرقة سند في اللغة . والذليل جمعه الأذلّة ، والصفة الذلّ وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] . ويطلق الذلّ على لين الجانب والتّواضع ، وهو مجاز ، ومنه ما في هذه الآية . فالمراد هنا الذلّ بمعنى لين الجانب وتوطئة الكنف ، وهو شدّة الرّحمة والسّعي للنفع ، ولذلك علّق به قوله : عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . ولتضمين أَذِلَّةٍ معنى مشفقين حانين عدّي بعلى دون اللام ، أو لمشاكلة ( على ) الثّانية في قوله : عَلَى الْكافِرِينَ . والأعزّة جمع العزيز فهو المتّصف بالعزّ ، وهو القوّة والاستقلال » ، ولأجل ما في طباع العرب من القوّة صار العزّ في كلامهم يدلّ على معنى الاعتداء ، ففي المثل ( من عزّ بزّ ) . وقد أصبح الوصفان متقابلين ، فلذلك قال السموأل أو الحارثي : وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربيّة بديعية ، وهي المسماة الطباق ، وبلغاء العرب يغربون بها ، وهي عزيزة في كلامهم ، وقد جاء كثير منها في القرآن . وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تسيّرها آراؤهم الحصيفة فليسوا مندفعين إلى فعل ما إلّا عن بصيرة ، وليسوا ممّن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون ليّنا في كلّ حال ، وهذا هو معنى الخلق الأقوم ، وهو الّذي يكون في كلّ حال بما يلائم ذلك الحال ، قال :